السبت، 20 فبراير، 2010

رســــــــالة..

لا أستطيع أن أصف ليلة البارحة، حروفي لا تكفي.. ولا تحمل عمقاً يدل عليها.. أو هكذا أظن!
صباح اليوم، تكتب لي أختي،
"مَساءُ الغيم الذي يُرخي على كتفِ القلبِ دفاترَ الحنين .. مَسَاؤكِ يَاعَائِشَة ..
كنتُ أبحثُ عنْ أقلامِ الكلام بِدُرجِ صَدرِي ، لم يكنْ الغناءُ وحدهُ العصفورُ السكْران بِحنجرتِي ، لأول مرة أرتجفُ من شدة الصقيعِ هُنا ، أقرب أصابعي لشفتِي لأشعر أن الوقتَ يتجمد هُو الآخر كقبلَاتٍ مِن البعيد ..

فِي الغُربةْ كلُّ شيءٍ جائزْ وَ مُباحْ ، البُكاءْ على أنقاضِ بَيْتٍ غارقٍ فِي هزيمِ الهجرِ ، وَ المشيِ لِساعاتٍ طِوالْ دُون أنْ توقفكَ حِكْمةُ أنَّ للموتِ ألوانا وَ أقنعةً وَ رِفَاقا ، و لأنَّ غُرباءَ الوطنْ
يلتقُون فِي أحد القاراتِ الشرسةْ الملآى بِالأحلَامِ الباردة ، لَا أحد و لا إلهَ يمنحُهُمْ رحمةَ الخُبزِ وَرَائِحَةِ البُنِّ العَتِيقَة ..

قَبْلَ يَوْمَيْن حَدَّثَتْني عَن الحَنِين وَعَنْ ابْرَاهِيم .. ثم تلقيتُّ منهَا رِسالةً هذا الصباح جعلتْنِي أحتسي القدحَ الثالث مِن قَهْوَتي وَ أغيبُ وسَط زِحامِ الأفكارِ اليَتيمة ، لمْ يتبقَّى غيرُ الرُّفاتِ يَا أختي ، لَا الدار هي الدار ولَا الغُرْبَةُ تُسْعِفُنِي بنِسْيَانِ غُيُومِ عَيْني سَاعَة الإحْتفَاء بذاكرة هذه العائلة .. والحيَاةُ قطْعَةُ فَحم مغطاةْ بِالعَسَلْ ، وَ نَحنُ فَراشَاتٌ عميْاءْ تلعقُ الحُلْوَ وَ يَقْتلُهَا امْتِصاصُ كُحلِ جناحاتِهَا .
لَا الألوانُ هِي الألوان ولَا الأبجدية تُسْعِفُ هذَا القلْبَ الضّعِيفَ المُكْتَّظ بالحُبِّ وَ النِّداء وَ أطباقٍ عدة مِنَ الحنِينْ ..
أمشِي خلفَ الصَّمتِ ، أشترِي أخباراً لا تُحْكَى ، وَ أقرأُ لأقلام مَاتَتْ مُذْ خَلَقَ اللهُ الحُزنَ بالعراءْ ، وَ أشتهي أنْ لَا أشتهي الوَرْدَ الأحمَر..

هذهِ بريطانيا التِّي حدثُّوك عنْهَا ، بِلَادُ الضباب الغافِيَةْ على أوداجٍ جريحة ، بلد الدَّمع المُتحَجّر ، القَابِضة علَى وِدْيَانِ الشَّوْقِ ، الغُرْبَةْ تقتلُ الإِنْسَانْ أو تُحيِيه .. تُنسِيه وَ تغسِلُ ذاكرتهُ مِنْ عُيُوبِ التَذكرْ .. أوْ تَجْعَله خَلْقاً جديداً كمَا يُحِبّ أنْ يَكُون .. تُرَى هَلْ أنْتِ أنْتِ ؟

كنْتِ غَاضبَةً جدّا ذَلكَ اليَوْم .. أحْبَبْتُ أنْ أقُولَ لَكِ : مُحَمّد ليس سَيّئاً يَاعَائِشَة وَإنّمَا لمْ يَعُدْ أخَانَا ذَلِك الصَّغير ، اختفتْ حلَاوتُهُ لَا غيرْ .. وأصْبَحَ رَجُلاً .. فِي مُدُن الثّلْج ..

عَائِشَة هَلْ أنْتِ حَقّاً هُنَاك .. حيثُ لَا أحد يمسحُ عنكِ وجعَ الزكام ، وَ لَا أحد يتفقدكِ ساعةَ المنام ، وَ لَا أحد يطمئنُ عليكِ إن أنتِ أكلتِ أو شربتِ أو لبسْتِ أوْ اكتويتِ بنارِ الفراقْ .؟؟

أفكر بكل الوداعات وبكل الحقائب التي تنتظر .. وَفي المطارات النبيلة جدًّا حينما تستقبلُ تأوهاتِ الرحيل ، وَ في جوازات السفرِ التي تنتظرُ الختم الدَّولِي وَ التأشيرة التي فِي الجيبِ .. وأفكر بالقلبِ المحروقِ .. المحروق .. المحروقْ .

أشتاقُكِ : - ربما نلتقِي هُناك ، رُبَّما لا نلتقِي ، الأكيد أنَّي و الله لنْ أنْسَى يَوْم الطِّين .. !!"

رددت أقول:
"لم أعرف بماذا أرد! خرجت أمشي وأمشي ... عدت الآن، ولازلت أبحث..
هل أنا أنا.. ومن أنــــــــــــا! ولمـــــــاذا أنا؟؟
للحق أنا من البارحة في هذه الدوامة، ما يجعلك كقارئة فنجان يارحمة!!
ماذا ترين في عقب الفنجان.. بماذا تنبئك تلك الخطوط!
هل أنا .. وماذا، وكيف وأين...
"